محمد الغزالي
260
فقه السيرة ( الغزالي )
المهاجرون والأنصار في ميدان الشرف ، وأخذ اللواء الإسلاميّ يتقدم خطوة خطوة ، وشعار المسلمين في هذا الالتحام : « أمت ، أمت » . وكانت نسوة قريش دائبات على استنهاض رجالهم ، يضربن بالدّفوف ، ويحرّضن على القتال ، تقودهنّ هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان . فكانت تقول - حاثّة بني عبد الدار على إبقاء لواء مكة مرفوعا - : ويها بني عبد الدّار * ويها حماة الأدبار ضربا بكلّ بتّار ! ! وتؤزّ قومها على القتال منشدة : إن تقبلوا نعانق * ونفرش النّمارق أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق وقد بذلت قريش أقصى جهدها لتحطّم عنفوان المسلمين ، لكنها أحست العجز ، وانكسرت همّتها أمام ثبات المسلمين وإقدامهم . قال ابن إسحاق : ثم أنزل اللّه نصره ، وصدق وعده ، فحسّوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعسكر ، وكانت الهزيمة لا شكّ فيها . روى عبد اللّه بن الزبير عن أبيه قال : واللّه لقد رأيتني أنظر إلى خدم سوق هند بنت عتبة وصواحبها مشمّرات هوارب ، ما دون أخذهنّ قليل ولا كثير ! ! . قد يجد المرء نفسه في حفل يموج بالأنوار ، وتنتشر في أجوائه الأشعة المبصرة ، ثم يقع خلل مفاجئ يقطع التيار ، فإذا المصابيح تعتم ، ثم يسود المكان ظلام موحش سقيم ! ! . إن هذا مثل للتحول المستنكر الذي قلب سير الحوادث في معركة أحد . لحظة يسيرة من لحظات الضعف الإنساني عرضت لفريق من الجند ، فأوقعت الارتباك في صفوف الجيش كلّه ، فضاعت في ساعة نزق كلّ المكاسب التي أحرزتها الشجاعة النادرة والتضحية البالغة ! . لقد علمت كيف شدّد الرسول عليه الصلاة والسلام على الرماة أن يلزموا أماكنهم صيانة لمؤخرة المسلمين ، وأوصاهم ألا يبرحوها أبدا ، ولو رأوا الجيش تتخطفه الطير ؟ غير أنّ أثارة من حبّ الدنيا عصفت بهذه الوصاة في ساعة غفلة ؟